كتاب ولادة الامام المهدي (عج) تأليف المرجع الشيخ بشير حسين النجفي((دام ظله))
المرجع الديني الكبير اية الله العظمى الشيخ بشير حسين النجفي ((دام ظله العالي)) تحقيق وتقديم مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي (ع) النجف الاشرف
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة الطبعة الثانية: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطيبين الطاهرين. مما لا شك فيه أنّ حالة الانتظار في ربوع عراقنا الحبيب أخذت في التنامي والاتساع، وأن انتظار وترقب الإصلاح العالمي على يد الحجّة بن الحسن عجل الله فرجه الشريف والتهيؤ لذلك اليوم المنشود أصبح حقيقة ملموسة يعيشها الشارع العراقي بمختلف أطيافه. وكمثال على ذلك _ وإن كان الأمر غنياً عن البرهنة _ ما نجده من إقبال شديد وتلهّف منقطع النظير حول كل ما يمتّ إلى الإمام المهدي بصلة، فما أن يُعلن عن عقد اُمسية أو برنامج تلفزيوني مختص بشأن الحجة بن الحسن عليه السلام إلاّ وتسابق المؤمنون في الحضور والتفاعل الكامل مع البرنامج المعدّ. وهكذا على صعيد المطبوعات، فما أن يصدر كتابٌ من قبل المركز مختص بشأن من شؤون العقيدة المهدوية إلاّ ونفذت نسخه من الأسواق بعد أسابيع قليلة أو أشهر معدودة من طباعته رغم زيادة عدد النسخ المطبوعة. فلهذا وجدت إدارة المركز نفسها مضطرة إلى إعادة طباعة الكثير من إصدارات المركز تلبية لرغبة الأخوة القراء الذين مافتئوا ينشدون عناوين الكتب بعد نفاذها من الأسواق. وها هو _ أخي المؤمن وأختي المؤمنة _ الإصدار الثاني من سلسلة الندوات المهدوية لسماحة المرجع الديني الشيخ بشير النجفي نقدّمه بطبعته الثانية المزيدة والمنقحة. سائلين المولى عز وجل أن يتقبّله بقبوله الحسن.
السيد محمّد القبانچي 7 جمادى الثانية 1426 هـ بسم الله الرحمن الرحيم مقدّمة المركز: تعتبر فكرة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف من أوائل الأفكار والقضايا انطباعاً في الذهن العقائدي الإسلامي, فلا يكاد يوجد مسلم مهتم بشؤون دينه الحنيف _ مهما كان المذهب الذي ينتسب إليه _ إلاّ وسمع أكثر من حديث بخصوص تلك الشخصيّة المباركة التي خلقها الباري عز وجل لتحقيق أمل الإنسانية السرمدي وحلم الأنبياء على مرّ العصور بأن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً. ومن غير المتعذّر على كل متتبّع أن يهتدي إلى الأهمية القصوى والاهتمام البالغ الذي أولاه الدين الحنيف لهذه الشخصية المقدّسة, وذلك من خلال الأحاديث والتأكيدات المتكاثرة الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعن الأئمّة المعصومين عليهم السلام من أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً, وتناقلها المحدّثون من الطوائف والمذاهب الإسلامية كافّة, فقلّما تجد كتاباً يهتم بجمع الأحاديث يخلو من ذكر هذه الشخصية أو من ذكر مواصفاتها ومتعلّقاتها, حتى صارت فكرة الإمام المنتظر من المسلّمات التي لا يمكن لمنصف أو باحث عن الحقيقة أن يتنكّر لها أو يطوي عنها كشحاً, على الرغم من كثرة الاختلافات التي وقعت بين أبناء الطوائف الإسلامية في تحديد التفاصيل والجزئيات, من حيث ولادته وطول عمره وغيبته وما يتعلّق به من تفاصيل. إلاّ أنّ كل هذا الاهتمام الذي أولته الشريعة لهذه القضية المقدّسة لم يمنع المتصيّدين بالماء العكر من إثارة الشبهات وتوجيه الشكوك, فأثاروا بعض الغبار هنا وهناك للتعتيم على هذه الفكرة, والتشويش على هذه العقيدة الحقّة, فكثرت التساؤلات عن ولادته عليه السلام وغيبته وطول عمره, وغير ذلك ممّا يثيره المغرضون الذين تتعارض مصالحهم مع الإيمان بهذا المصلح الذي يبعث الأمل في نفوس المؤمنين, ثمّ تمادى البعض في غيّه, فأثار من الشبهات ما لم ينزّل الله به من سلطان, ممّا تسبّب في إخفاء بعض الحقائق ودثر بعض الشواهد الإلهية, كما ساعد على ذلك أيضاً تعسّف الظالمين الذي حاولوا طمس الحقائق بكل ما يتمكّنون عليه من وسائل فوقفوا بوجه كل المحاولات التي أرادت توضيح الحقائق وكشف ما استتر من الحق. وهذا الأمر هو الذي بعث فينا الإحساس بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقنا, وخصوصاً بعد انقشاع الظلمة, فبذلنا كل ما نملك من وسع لإزالة الأغبرة المتراكمة, وتوضيح الحقائق والبراهين الدالّة على حضور الإمام المؤمّل, وذلك من خلال النشاطات التي تبنّاها مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف, والتي كان من جملتها:
1 _ الاهتمام بطباعة الكتب المختصّة بالإمام المهدي عليه السلام. 2 _ الاهتمام بطباعة ونشر المحاضرات المختصّة به عليه السلام. 3 _ الاهتمام بنشر كل ما من شأنه تقوية ارتباط الأطفال بإمامهم. 4 _ إصدار مجلّة فصلية تخصّصية باسم (الانتظار). 5 _ الاهتمام بالبعد الإعلامي المختص بالإمام عجل الله فرجه الشريف, من خلال كافّة وسائل الإعلام بما فيها الانترنت. 6 _ الاهتمام بإقامة الندوات التخصّصية في هذا الشأن.
وها نحن _ عزيزي القارئ _ نضع بين يديك هذا الكتيّب الذي يحمل بين طيّاته جزءً من الندوات التي أقامها المركز, حيث يستضيف علماءنا الأعلام وشخصياتنا الإسلامية المرموقة, لتوضيح الحقيقة, وللإجابة على كل الشبهات, ليظهر الحقّ جلياً واضحاً لا غبار عليه, وليتبيّن الطريق اللاحب لكل من أراد جادّة الحق.. حيث أخذت هذه الندوات طريقها للنشر من خلال صفحات الانترنيت ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية, ومن خلال الأشرطة المسجّلة والأقراص المضغوطة, خدمة للدين الحنيف والمذهب الحق. سائلين المولى عز وجل أن يجعل هذه الخطوات محطّ قبول ورضى إمامنا صاحب الزمان عليه السلام الذي يعيش بين أظهرنا ويتفقّد أحوالنا ويعلم بكل ما نسرّ وما نعلن, دون أن نراه.. إنّه نعم المولى ونعم المجيب.
شكر وتقدير:
والمركز إذ يقدم للمكتبة الإسلامية وللإخوة القرآء هذا الكتاب القيم يتقدم بالشكر للإخوة في لجنة التحقيق على جهدهم في انجاز هذا العمل رغم قلة المصادر وكثرة الصعوبات ونخص بالذكر الأخ الكريم الشيخ علاء عبد النبي لجهده المتميز في تصحيح الكتاب واستخراج مصادره كما يتقدم بالشكر إلى قسم الكمبيوتر ونخص بالذكر الأخ الفاضل مسؤول قسم الكمبيوتر ياسر الصالحي.
السيد محمد القبانچي مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف النجف الأشرف
بسم الله الرحمن الرحيم تقديم: الحمد لله ربّ العالمين،الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمّد, وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين. والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا وإمامنا الحجّة بن الحسن العسكري صلوات الله وسلامه عليه, الذي نتمنّى أن نكون في كنف رحمته ودعائه الشريف المبارك. ونحن في هذه الأيام المباركة, أيام شهر رمضان الذي هو شهر الغفران, وإذ نتشرف بوجودنا في كنف أمير المؤمنين عليه السلام وفي هذه الليالي المباركة, ما أحوجنا إلى أن نقوّي روابطنا بإمامنا عجل الله فرجه الشريف, ولا نجد وسيلة نتوسّل بها إلى ذلك أفضل وأحسن من الواسطة التي نصّبها هو أرواحنا فداه, إذ جعل العلماء حجّته علينا وهو حجّة الله. وفي هذه المناسبة, وبهذه النية الخالصة يقيم مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف هذه الندوة المباركة التي يلقي فيها سماحة آية الله العظمى الشيخ بشير النجفي هذه المحاضرة بخصوص ولادة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.
الندوة الأولى (مقدمات في طريق إثبات الولادة)
المقدّمة:
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ربّ العالمين, والصلاة والسلام على رسوله وآله الطاهرين, واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين... اللهم وفقّنا وجميع المشتغلين. لعلّ من هوان الدنيا على الله سبحانه, ومن مصائب الدهر أن نحتاج لإثبات ولادة المنتظر عجل الله فرجه الشريف, وما أشبه هذه المصيبة بمصيبة إثبات يوم الغدير... يوم الغدير الذي شهده مئات بل ألوف وسمعوا من النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (1) بل لم يكتف بهذا القول, وإنما أخذ بيد أمير المؤمنين عليه السلام وكشف عن الإمام بيده وعمّمه بعمامته وأخذ البيعة له وبقى فترة في الغدير, ثم بعد ذلك نضطر إلى إثبات سند الغدير. من مصائب الدنيا وهوانها على الله سبحانه أن نحتاج إلى إثبات يوم الغدير, وكذلك من مصائب الدنيا _ كما قلت _ بدلاً من أن نجتمع لنستفيد مما ورد عن وليّ الله الأعظم أرواحنا فداه من كلمات ونصائح وأوامر, الذي هو أمل الإسلام, أمل الأنبياء عليهم السلام، أمل الرسل عليهم السلام وأمل الشهداء على مرّ التأريخ, هذا الإمام بدلاً من أن نستفيد ممّا صدر منه سلام الله عليه نريد أن نثبت ولادته. على أي حالة وليست هذه المصيبة بأعظم من مصيبة كربلاء التي تحمّلها أهل البيت عليهم السلام كما تحمّل ما تحمّل أصحاب الأئمّة عليهم السلام والأئمّة عليهم السلام أنفسهم في حياتهم. وليست هذه المصيبة بأعظم من مصيبة حرماننا وحرمان المسلمين من رؤية الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف في هذه الفترة, والدنيا مليئة بالمصائب, كما نقل عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: (الجنة محفوفة بالمكاره والنار محفوفة بالشهوات) (2) ولو كانت الجنة محفوفة بالشهوات لما تخلّف أحد عن السعي للوصول إلى الجنة، أي لسعى الكل إلى الجنة. نظرة على الشبهات:
الشبهات التي تثار حول الإمام حول الإمام الثاني عشر عليه السلام هي شبهات واهية ضعيفة ولا تستحق أن ينظر أحد فيها, ولكن كما قلت قبل قليل أنه ليست هذه المصيبة بأعظم من المصائب التي مرّت على أهل البيت عليهم السلام وعلى الإسلام وعلى دين الله سبحانه. ونحن نشير فعلاً إلى بعض الشبهات ونمهّد المقدمات, وبعد تمهيد بعض المقدّمات نحاول أن نثبت أنّ حدوث ولادته وثبوتها كاد أن يكون أمراً وجدانياً لا يشك فيه إلاّ من ابتلي بالعمش ولا يرى الشمس. وأبرز الشبهات أنّ بعض المؤرّخين, أو بعض أهل النسب, أو الذين يدّعون أنّهم من أهل الخبرة في النسب ينكر وجوده المادي, قائلين بأنّه _ أي الإمام العسكري عليه السلام _ لم يعلم له ولد, أو مات الإمام العسكري عليه السلام عقيماً... كما أنّ أخا الإمام العسكري جعفر أنكر, والطبري أنكر وابن تيمية أنكر في منهاج السنة الذي ملأه بالشتائم على الشيعة وخصوصاً على العلامة الحلي. هذه عمدة الشبهات, وما عدا هذه الشبهات فمجرد استغرابات أو مبنيّة على عدم معرفة حقيقة الإمام عليه السلام. فكما أنّ الله سبحانه وتعالى أعمى بصيرتهم عن فهم حقيقة النبي والنبوة كذلك الله تعالى أعمى بصائرهم وبصيرتهم عن فهم حقيقة الإمام عليه السلام.
عمدة هذه الشبهات: أنّ بعض أهل النسب أنكر. وجعفر الكذاب أنكر.
وسلطات ذلك الوقت هجموا على بيت الإمام العسكري عليه السلام فلم يجدوا الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف, الطفل الذي نحن الشيعة نسمّيه الإمام الثاني عشر المنتظر عليه السلام. وأنّ الإمام العسكري عليه السلام أوصى بأمواله إلى والدته هو. واختلاف أسماء أمّ الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف. هذه هي الشبهات, وكأنّ هذه الأمور تكسبهم دليلاً أو علماً على عدم وجود الإمام عليه السلام (العياذ بالله). تمهيد: ونحن قبل أن نحاول الردّ على هذه الشبهات نمهّد بعض المقدّمات:
المقدمة الأولى:
لا شكّ ولا ريب أنّ التواتر يفيد العلم عند جلّ الأصوليين, إلاّ من شذّ منهم, وهم من بعض أبناء العامة, وهم أيضاً استنكروا قول من يقول بأنّ التواتر لا يفيد العلم. نعم بعضهم قالوا بأنّه يفيد علماً وجدانياً, كما ربّما يلوح من كلام الغزالي في كتابه المستصفى في علم الأصول, وبعض آخر ذكروا بأنّ التواتر يفيد الاطمئنان, أي يفيد علماً اطمئنانياً وليس علماً وجدانياً. ولم يختلف أحد من العقلاء ممّن يعتنى بقوله وعقله في مجال العلم أنّ التواتر أفضل الأخبار وأحسن الأخبار, وهو العمدة في إثبات أمر بخبر. ولا نتلف الوقت في إثبات أنّ التواتر يفيد العلم, ومعلوم أنّ طلابنا يدرسون في الحوزات أنّ التواتر ربّما يكون من اليقينيات, إذ أنّه في الكتب المنطقية البدائية بحث هذا, في الكتب التي ألّفها العامّة والخاصّة. التواتر من الأمور التي يعتمد عليها العقلاء, بل تبتني عليها أمور الدين والدنيا في الجملة. هذا ممّا لا ينبغي الريب فيه. إنما الكلام في بعض النقاط المهمة, فقد قالوا: التواتر قسم من الخبر, ويشترط في الخبر أن يكون المخبر يدرك المخبر عنه بأحد الحواس, كأن يرى بعينه أو يلمس بيده أو يسمع بأذنه وهكذا, هذا المعنى كأنّه اتفق عليه الكل. ولكن هناك أمورٌ لا يمكن وصول الحواس الخمس إليها, أيّ من الحواس الخمس لا يمكن أن يصل إلى ذلك الشيء, فإذا كان الأمر من هذا القبيل لا يمكن للحواس الوصول إليه, فكيف يمكن إثباته بالأخبار أو بالشهادة أمام القاضي أو بالخبر الواحد أو بالخبر المتواتر؟! فمثلاً عدالة العادل كيف يمكن إثباتها؟ خصوصاً بناءً على المعروف من أنّ العدالة ملكة, فكيف يشهد الشاهد بأنّ زيداً عادل، وكيف يمكن إثباته؟ فقالوا: إنّ هذا المخبر يعاشر زيداً معاشرةً تكشف عن خبيّات حاله بحيث يطمئن هذا المخبر _ هذا الشاهد _ بعدالة زيد, فإنه يُصبح مطلعاً ومطمئناً من عدالته من خلال ما يشاهد من حالات وشؤون زيد والعمل والمواظبة. إذن من هذا ماذا نستفيد؟ نستفيد أنّه إذا كان المخبر عنه أو المخبر به من الأمور الملموسة أو المحسوسة فالمخبر يشاهده, فمثلاً يقول: رأيت زيداً مدّ يده إلى قفل فكسره وسرق الأموال التي كانت محروزة فيه، وأما إذا كان الخبر عن أمرٍ غير محسوس, فالشهادة والإخبار يتم تحملهما بالمعاشرة, أي بمشاهدة أمور, وتكون تلك الأمور مفيدة للاطمئنان أو العلم بأنّ هذا الفعل قد حصل كما في عدالة زيد.
فكيف تثبت الأنساب إذاً؟ نفس الطريقة التي تثبت فيها العدالة كذلك نثبت النسب, كيف نثبت العدالة! قلنا: العدالة بناءً على أنّها ملكة, إنّما تثبت بالمعاشرة وبالمشاهدة للأمور التي تلازم عادةً الشخص التقي والعادل, كذلك هاهنا أمور ملازمة لصحّة النسب إذا شاهدناها فحينئذٍ يثبت النسب. مثلاً يعترف الوالد بأنّ هذا ابنه, ويثبت أنّه ولد على فراشه, ويثبت أنّ الولد اعترف بأنه ابن فلان. هذا الذي يمكن مشاهدته, هو خروج الطفل من بطن أمه. وكذلك يمكن إثبات ذلك باعتراف كلّ من الوالد والولد, هذا الذي يمكن مشاهدته, وهذا الذي به تثبت الأنساب, وبغير هذه الطريقة لا سبيل إلى إحراز الأنساب أبداً. وإلاّ على إحسان إلهي ظهير إذا لم يكتفِ بهذا _ وهو من أشدّ المتحمّسين الجدد وقبله ابن تيمية وقبلهما غيرهما _ عليه أن يثبت بالشواهد أنّه كان هناك من يشاهد بالنظّارة (بالمجهر) وكان هناك من يشاهد كلّ مراحل تكوينه إلى أن صار طفلاً مشؤوماً وبعد ذلك خرج, ثمّ تثبت الشهادة أيضاً أنّ أمّه لم تغيّره بغيره, هذا إذا كان هناك من يراقب طفولته ورداءته, وإلاّ فهو ليس ابن أبيه, أي ابن من ينسب نفسه إليه. خلاصة الكلام في هذه المقدمة هو أنّ نسبة شخص إلى شخص وإثبات أنّ فلاناً ابن فلان منحصر في الشهادة على الاعتراف بأنّ فلاناً يعترف بأنّه ابن فلان وفلاناً يعترف بأنّ فلاناً ابنه, أو تشهد النساء أو غير النساء على أنّ هذا الطفل خرج من بطن أمّه. بهذا فقط يثبت النسب إلى الأم، وأمّا إلى الأب فلا يمكن أن يثبت إلاّ بالاعتراف أو بظاهر الفراش الذي قلنا إنّما يثبت بحسب الظاهر. هذه المقدّمة الأولى التي ينبغي أن نبقى على التفات لها في هذه المباحثة التي نعرضها للإخوان.
لمقدّمة الثانية: عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود:
هذه قاعدة عقلائية، إذا لم تكن عقلية. فلو أنّ إنساناً بحث عن شيء في غرفة فلم يجده، فعدم وجدانه لا يعني بالضرورة عدم وجود ذلك الشيء في الغرفة, وخصوصاً إذا كانت هناك دواعٍ لإخفاء ذلك الشيء, أي وجود أسباب تدعو إلى إخفاء ذلك الشيء, ففي هذه الحالة عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود, مما لا ينبغي الريب في هذه القاعدة. وعلى هذه القاعدة العقلائية, بل العقلية, رتّب علماء العامّة والخاصّة مطالب علمية كثيرة, وفي مختلف أبواب علم الأصول والفقه وغيرهما. من جملتها أنّهم قالوا: بأنّ الجارح يقدّم قوله على المعدّل, فمثلاً لو اختلف شخصان في عدالة أحد الرواة، أحدهما يعدّله _ يحكم بعدالته _ والآخر يحكم بفسقه, هاهنا من الذي يقدّم؟ قالوا: بأنّ الجارح يقدّم على المعدِّل, لأن الذي يحكم بعدالته _ بناءً على أنّ العدالة ملكة _ إنما يدّعي أنّه عاشر هذا الرجل من قريب ورآه في قيامه وقعوده وفي صلاته وصومه, وعاش معه في جواره, وكان له صديقاً لفترة طويلة ولم يجد منه إلاّ الحسن, أكثر من هذا لا يتمكّن أن يثبت. ومن هنا اكتشف أنّه عادل, وأما الجارح فيقول: أنا رأيته يشرب الخمر (العياذ بالله) أو يرتكب جريمة يعاقب عليها الشرع. ففي تقديم قول الجارح على قول المعدِّل ليس تكذيباً لقول المعدِّل, بخلاف ما إذا رجّحنا قول المعدِّل, فإنّ فيه تكذيباً للجارح, لأنّ المعدِّل يقول بأنّه لا يرتكب, والجارح يقول أنا رأيته يرتكب المعصية, أنّه سمعه يدلّس في الأخبار مثلاً, أو أنه سمعه يفتري, أو ينسب خبراً إلى فلان مع أنّه لم يره لأنه ولد بعده بكذا فترة من الزمن فهو كاذب فلا بدّ أن يرفض خبره, والمعدِّل يقول بأنّه لم ير منه ذلك, فعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. وعلى هذا الأساس قالوا بأن عدم وجدان المعدِّل صدور المعصية من هذا الشخص لا يعني أنّه لم تصدر منه هذه المعصية. نعم إذا كان الله تعالى هو الشاهد على عدالة أحد أو عصمة أحد, فإنّ الله هو علاّم الغيوب, و هذا مطلب آخر, فكلامنا هنا حسب الموازين الظاهرية, وفي الموازين الظاهرية القاعدة العقلائية, بل العقلية, محكّمة في جميع شؤون العباد والبلاد, وهي أنّ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود. ومعظم أدلّة هؤلاء _ إحسان إلهي ظهير وابن تيمية ومن لفّ لفهم _ مبتنية على قول بعض أهل الأنساب ممّن حمل في طياته النصب لأهل البيت عليهم السلام حيث قالوا: لم يعلم له خبر, أو لم يعرف له ولد, وهذا يعني أنّنا لم نجده, وعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. فهذه الأخبار إن صحّت, وهي _ كما سنثبت _ ليست صحيحة, معظمها أكاذيب إحسان إلهي ظهير وابن تيمية, نعم إن ثبتت فإنّما تدل على أنّ من أخبر ابن تيمية ومن أخبر إحسان إلهي ظهير لم يجد, لا أنه يتمكّن من إثبات العدم. لا يمكن إثبات العدم, حيث إنّ عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود, هذه قاعدة عقلية وإذا لم تكن عقلية فهي عقلائية, لا يمكن إنكارها, وقلنا بأنّ جملة وافرة من شؤون البلاد والعباد تبتني على هذه القاعدة, ولا نطيل أكثر من هذا في هذه القاعدة البديهية.
المقدّمة الثالثة: اشتراط عدم النصب:
ومن جملة المقدمات التي ينبغي أن ننظر فيها: نقطة وردت في كلام الغزالي في أواخر بحث التواتر, حيث قال: إنّ الروافض يشترطون في إفادة التواتر العلم بوجود المعصوم بين المخبرين...(4) ليت شعري من اشترط ذلك؟! هذه كتب أصول المذهب وغيرها بين أيدي العامّة والخاصة, عدّة الشيخ الطوسي قدس سره, وكتب العلامة الحلّي في الأصول والفقه... وكتب غيرهم, كأنّ الغزالي _ كغيره _ يأخذ المذهب الجعفري وقواعده من أفواه الشوارع ولا يطّلعون على المبادئ التي حقّقها ومحّصها علماؤنا الأبرار. وليس هذا من شرائط إفادة التواتر للعلم, إذ لم يشترطه أحد, لا من أبناء العامّة ولا من أبناء الخاصّة, نعم السيد المرتضى قدس سره علم الهدى أضاف شرطاً إلى الشرائط المعتبرة في إفادة التواتر العلم, وهو أنّ العقل إنما يستفيد من التواتر العلم إذا كان خالياً عن النصب والعداوة اتجاه شخص، وأما إذا كان في ذهنه العداوة والنصب والاعتقاد بأن الأمر ليس كذلك، فأنه كلما زاد المخبرون عن ما هو خلاف عقيدته زاد تعنتاً وعداوة ووحشية، كما هو حال أمثال ابن تيمية وإحسان إلهي ظهير, فعندما يرى أخباراً متواترة في ولادة الإمام عجل الله فرجه الشريف يزداد تعنتاً. اشترط علم الهدى هذا الشرط القائل بأنّ التواتر يفيد العلم إذا لم يكن هناك في قلب من سمع الخبر نصب وعداوة _ هذا مضمون كلامه الشريف _ تجاه هذا الخبر, أمّا إذا كان مسبقاً معتقداً بأنّ الأمر ليس كذلك فمهما أخبره الناس عن هذا الخبر فلا يصدّقهم أبداً, فلا يحصل العلم بالخبر المتواتر, نعم هذا الشرط موجود, ولكن هو لم يشترط وكذلك لم يشترط غيره من علمائنا الأبرار أن يكون في المخبرين معصوم. جاءت كلمة المعصوم في كلمات الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة,(5) حيث قال بأنّه لمّا أنكر جعفر أخو الإمام الحسن العسكري عليه السلام الولادة فإنّ هذا الإنكار لا يكون مفيداً للعلم مقابل الأخبار التي تثبت الولادة؛ لأنّه ليس معصوماً؛ إذ لو كان معصوماً لأمكننا الاعتماد عليها لنفي هذه الأخبار كلّها, ولكنه لما كان غير معصوم فلا قيمة لخبره في مقابل هذه الأخبار, وهذا شيء آخر غير ما ينسبه الغزالي في مستصفاه إلى المذهب الجعفري إذ يقول بأنّهم يشترطون أن يكون في المخبرين معصوم. هذه بعض المقدّمات التي نحاول أن نحافظ عليها كمقدّمة لدفع الشبهات التي ذكرها أعداء أهل البيت عليهم السلام, أعداء الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف, وإن شاء الله البعض الآخر من المقدمات سوف نعرضها على الإخوة في الندوة القادمة. والحمد لله رب العالمين
(الإجابة على أسئلة الندوة الأولى)
الأسئلة: بعض الأسئلة التي وجّهها الحاضرون لسماحة الشيخ دام ظله, بعد انتهاء هذه الجلسة من الندوة التي استمرّت لثلاث ليالٍ.
س 1/ ما هي الطريقة لإثبات ولادة الحجة عليه السلام مع وقوعها بصورة سريّة؟ ج 1/ نعم, هذا السؤال هو الذي من أجل الإجابة عليه اجتمعنا في هذه الجلسة الميمونة, وبعد التمهيد لهذه المقدّمات نحاول أن نثبتها بالتواتر إن شاء الله. س 2/ هل يؤمن أبناء العامّة بالمهدي عجل الله فرجه الشريف وأنّه سيظهر في آخر الزمان؟ ج 2/ نعم, هناك روايات كثيرة جداً جمعها علماؤنا في مؤلّفاتهم, مثل حلية الأبرار وغيرها, ومن الروايات المروية في كتب أبناء العامّة يظهر أنّهم يؤمنون أنّ في آخر الزمان سيظهر من ولد سيد الرسل من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً, والغريب أنّي لم أجد في رواياتهم أنّه يولد في آخر الزمان, بل كل الروايات تقول أنّه يظهر في آخر الزمان, وهذا اعتراف ضمني بوجوده, أي يظهر المختفي, لا أنه يولد. س 3/ ما هو السرّ الكامن في خفاء ولادة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف مع قدرة الله عز وجل على حفظه بطرق أخرى؟ ج 3/ هذا السؤال غريب, كان بإمكان ربّ العالمين أن يحفظ موسى بن عمران ظاهراً, ولكن لم يحفظه إلا خفياً مستوراً, وكذلك كان بإمكانه أن يحفظ عيسى بن مريم على وجه الأرض سالماً من القتل, لكنه لم يفعل إلا بإخفائه... الله لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. س 4/ ما هي الثمرة المترتّبة لأبناء العامة على إنكار ولادة الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف؟ ج 4/ هذا مجرّد تشنيع على المذهب الجعفري وإبعاد للناس عن المذهب الحق, قائلين أنّ أبناء المذهب الجعفري يؤمنون بالخرافات, وأنّهم لا يؤمنون بأشياء معقولة, لا أكثر ولا أقل. وإن آمنوا بوجود الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه الشريف يجب أن يؤمنوا بإمامة أبيه عليه السلام ثمّ الإمام عليّ الهادي عليه السلام وهكذا إلى الإمام الصادق عليه السلام وبهذا تنهار القصور الوهمية التي بنوها على آراء أئمّتهم الأربعة، فهم يحاولون المحافظة على تلك القصور الوهمية التي بنوها, ولذلك لا يعترفون وينكرون ذلك. س 5/ ما حكم من أنكر ولادة الإمام الحجّة عجل الله فرجه الشريف ؟ ج 5/ هو منكر ضرورة من ضرورات المذهب, فلا يعتبر من الشيعة الإثني عشرية, ولا أحكم بكفره ولا بنجاسته. س 6/ هل يشير القرآن الكريم إلى ولادة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف ؟ ج 6/ الآيات التي استدلّ بها على هذا ليست فيها صراحة على الولادة, ولكن هناك آيات تدل على أنّ الله سبحانه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً... أمّا بصراحة فلا توجد آية أبداً. س 7/ هل يؤمن أبناء العامّة بولادة الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف ؟ ولو كانوا يؤمنون بذلك فهل يصلح إيمانهم دليلاً على ولادته؟ أم يكون مجرد مؤيد لما ذهبت إليه الطائفة الحقة؟ ج 7/ أغلب علماء العامّة أنكروا وجود الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف, ولكن آمنوا أنّه سيظهر في آخر الزمان من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً, وإذا كانوا يؤمنون بولادة الحجة عجل الله فرجه الشريف لما اجتمعنا في هذه الجلسة. س 8/ هل يتواصل وجود بعض الوكلاء أو السفراء للإمام عجل الله فرجه الشريف في هذه السنوات العجاف؟ ج 8/ هذا السؤال لا مجال له, بعدما علمنا أنّه بعد وفاة السفير الخاص الرابع انقطعت النيابة الخاصّة وبقيت النيابة العامّة بالمعنى المعروف بين العلماء والمراجع. س 9/ ألا تظنّون أنّ مصبّ الشبهات لأبناء العامة ليس مأخوذاً من ولادة الإمام عجل الله فرجه الشريف أو عدم الولادة, بل من وجود المصلحة وعدمها من غيبته, وهذا واضح من كتاب منهاج السنة وغيره؟ ج 9/ هناك فرق, عندهم شبهات في أصل الولادة وهناك شبهات أنّه كيف يبقى شخص في هذه المدّة, وهذه شبهة تختلف عن تلك الشبهة, وكلامنا في هذه الندوة في الشبهة الأولى المختصة بالولادة, وأمّا أنّه كيف يمكن أن يبقى فغريب, فالشيطان اللعين ولد أو خلق قبل آدم عليه السلام ولحد الآن هو موجود, فهل أنّ الله سبحانه وتعالى قادر على أن يبقي الشيطان هذه المدّة ولا يقدر أن يبقي شخصاً ولد بعد ولادة الإمام الحسن العسكري عليه السلام! س 10/ هل تحققت معظم علامات ظهور الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف ؟ وهل هذا هو زمن الظهور؟ ج 10/ علامات ظهور الإمام كما قرّر العلماء على قسمين: بعضها حتمي والآخر غير حتمي, العلامات الغير حتمية يحتمل أن يظهر الإمام عليه السلام بعدها وليس ذلك مؤكّداً، وهذه العلامات تقريباً كلها تحقّقت, وأمّا الحتمية فلم يظهر منها شيء لحدّ الآن. أمّا بالنسبة لزمن الظهور فالإمام المعصوم عليه السلام قال: (كذب الوقّاتون).(6) س 11/ لماذا كان الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف خصوص ابن الإمام العسكري عليه السلام, ألا يمكن أن يكون شخصاً آخر يولد في آخر الزمان يرتبط به نسبياً؟ ج 11/ الإمكان موجود, ولكن الواقع هو خلاف ذلك, فإنّ الذي حدث هو أنّه ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام. س 12/ هل إنّ رؤية الإمام الحجّة عجل الله فرجه الشريف في عصر الغيبة الكبرى ممكن وواقع أم لا, خاصّة مع ورود تكذيب مدّعي الرؤية؟ ج 12/ هناك اشتباه ربّما وقع الكثير فيه, وهو أنّ الذي ورد التكذيب في حقّه هو أن يدّعي أحد أنّه يلتقي به عليه السلام وهو رسول وسفير عنه أو مبلّغ عنه, هذا الذي ثبت تكذيبه أو كذبه بأمر الإمام عليه السلام, أمّا أنّه ربّما يتوفّق شخص ما بالتشرّف برؤيته فهذا ممكن جداً, ولا يجوز لمن يحدث له هذا أن يخبر أحداً بذلك. والحمد لله ربّ العالمين
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وأرحمنا بهم يا كريم
الندوة الثانية (شبهات في طريق الولادة)
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين... والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى قيام يوم الدين. تذكير:
قلنا في الندوة السابقة: إنّ من هوان الدنيا على الله سبحانه أن نعقد الندوات في مثل هذه الندوة الميمونة لإثبات ولادة الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف, وهو الإمام الذي بشّر به الأنبياء عليهم السلام السابقون والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأطهار عليهم السلام.
بل ووعد به ربّ العزة في كتابه الكريم على نحو الإيماء والإشارات: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ... ) (1) ومعلوم أن هذه النبوءة وهذا الوعد لم يتحقق لغاية هذا اليوم ولا بدّ من أن يتحقق لأنه قد أخبر الله سبحانه وتعالى عن ذلك، والروايات من الفريقين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه يأتي من ولدي أو من ولد الحسين عليه السلام من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.
والذي احتمله أن الداعي لأعداء أهل البيت عليهم السلام وأعداء الإمام عجل الله فرجه الشريف من إثارة مثل هذه الإشكالات أمران, حيث أنهم يتصوّرون _ وهذا دليل على ضعف مخيلتهم _ أنهم يتمكنون من الوصول إلى أحد الأمرين أو كليهما على سبيل (مانعة الخلو) كما يقال في التعبير العلمي:
أحدهما: أن يتمكنوا من صرف شيعة أهل البيت عليهم السلام عن الإمام عجل الله فرجه الشريف ، ولكن الله تعالى يريد أن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره الكافرون أو المجرمون.
والأمر الثاني: حسب تخيّلهم, لجهلهم بمعنى الإمامة وعلم الإمام عليه السلام أو عن حقيقة الإمام أنهم يريدون بهذه الطريقة أن يتمكنوا من معرفة مقام الإمام عجل الله فرجه الشريف وموضع وجوده وشخصه الشريف, حتى يتمكّنوا من القضاء عليه. وقفة على الشبهات:
وعلى كل حال, قدّمنا في الندوة السابقة بعض المقدّمات التي يجب أن ننتبه إليها في هذا الصدد، واليوم نشير إلى بعض الإشكالات الواهية التي ذكرها دعاة الضلالة مثل إحسان الهي ظهير وابن تيمية وغيرهما ممن استفاد من كلماته. أهل النسب:
وقد لهج ابن تيمية وإحسان الهي ظهير وأصرّا وأكّدا أنّ أهل النسب نفوا وجود عقب للإمام العسكري عليه السلام ، في كتاب الشيعة والتشيع لإحسان إلهي ظهير, ومنهاج السنة لابن تيمية، وحينما نطالع كلمات هذين الرجلين نريد أن نعرف من هو من النسّابة _ أي من علماء النسب _ الذين نفوا ولادة الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف ؟ فكل واحد منهم يقول:
أكّد علماء النسب ولم يذكر واحداً منهم.
قبل أن استمر في هذا الكلام قلنا في الندوة السابقة:
إنّ عدم الوجود لا يدل على العدم, لو ثبت أنّ أحداً من علماء النسب نفى ولادة الإمام عجل الله فرجه الشريف, لم يكن في جعبته أكثر من أن يقول بأنّه لم يجد, وليس له أن يثبت العدم, وذلك لأنّ عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
بعدما تابعنا كلمات هذين الرجلين الناصبيين _ ابن تيمية وإحسان الهي ظهير _ نجدهم ذكروا اسم شخص واحد وهو (النوبختي) صاحب كتاب فرق الشيعة (أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي), وهو من أعلام القرن الرابع حسب ما يعترف إحسان إلهي ظهير في كتابه الشيعة والتشيع، يعني أنه بعد أكثر من مائة وأربعين سنة _ تقريباً _ من ولادة الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف ، يا لها من فضيحة, يا لها من خديعة, أنّ مثل هذا الشخص ابن تيمية وإحسان إلهي ظهير يلقبونه بتلك الألقاب وهؤلاء النسّابة معروفون بأنهم يذكرون النسب حسب اطّلاعهم, ويحذفون الإسناد، هذه كتب الأنساب بين أيديكم لا يذكرون الإسناد, لماذا؟ هم أعلم بذلك.
أوّلاً: حسب اعتراف إحسان الهي ظهير, أنّ هذا الرجل من أعلام القرن الرابع, وولادة الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف سنة 256 هـ يعني أكثر من 140 سنة يوجد هذا الشخص ويذكر أنه لم يوجد للإمام العسكري عليه السلام عقب, وذلك حسب ادعاء إحسان إلهي ظهير.
علماً أنه هو لم يقل, وإنما إحسان الهي ظهير هو الكاذب في ادّعائه كما سنذكر عبارة هذا الرجل ولكن إن صحّ ما يقوله إحسان, إذ لعلّ عنده نسخة نحن لم نطلع عليها مثلاً.
يقول: إن هذا الشخص من أعلام القرن الرابع من علماء النسب وهو يؤكد أنه ليس له ولد. إذن هنا ملاحظتان:
الأولى: أن الرجل حسب اعتراف إحسان ولد بعد أكثر من مائة سنة من ولادة الحجة عجل الله فرجه الشريف.
والثانية: لم يذكر سند دعواه, كيف يدّعي أنه لا عقب للإمام العسكري عليه السلام ؟ من أين يعرف هل نزل عليه الوحي, أم رأى في عالم الرؤيا؟
الظاهر أن إحسان الهي ظهير جاهل حتى بعلماء النسب, فإن هذا ليس من علماء القرن الرابع, بل هو من علماء القرن الثالث, فقفز به قفزة قرن كأنه أراد أن يضرب رأسه بفأسه مثلما يقال يريد أن يستند إلى من يقول بأنه من علماء القرن الرابع وهو من علماء القرن الثالث, غريب...! هكذا هم أعداء أهل البيت عليهم السلام دائماً يتخبّطون.
على أي حال، هذا الرجل ينسب إليه أنه يؤكد أن لا عقب للإمام العسكري عليه السلام. وهذه هي العبارة التي يريد أن يستفيد منها هذا الرجل الناصبي بأنه لا عقب للإمام العسكري عليه السلام.
فيقول عن طريق الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
(ولد الحسن بن عليّ عليه السلام في شهر ربيع الآخر سنة 232هـ وتوفي في سرّ من رأى (سامراء) يوم الجمعة لثمان ليالٍ خلون من شهر ربيع الأوّل سنة 260هـ ودفن في داره في البيت الذي دفن فيه أبوه عليه السلام وهو _ أي الإمام الحسن العسكري _ ابن 28 سنة وصلى عليه أبو عيسى بن المتوكل، وكانت إمامته خمس سنوات وثمانية أشهر وخمسة أيام, وتوفي ولم ير له أثر ولم يعرف له ولد ظاهر).(2)
لم يقل لم يولد له ولد, بل قال: لم ير أثر.
يا إحسان إلهي ظهير افتح عينيك يقول (لم ير له أثر) ولم يقل: لم يلد ولم يولد له أثر، بل يقول: ولم ير له أثر ولم يعرف له ولد، ولم يقل لم يولد ولد له وإنما قال: لم يعرف له ولد ظاهر.
هذه عبارة هذا الرجل الذي لهج بذكر اسمه هذان الناصبيان _ ابن تيمية وإحسان الهي ظهير _ وقالا بأنّه نسّابة وانه يؤكد انه لا ولد للحسن العسكري عليه السلام, هذه عبارته فهو يقول لم يعرف له ولد ظاهر, ونحن أيضاً نقول: ليس ولد ظاهر الآن أنا وأنتم نقول ليس له ولد ظاهر معروف, هذا نعرفه. تقسيم الميراث: يقول إحسان إلهي ظهير: قُسّم ميراث الإمام العسكري عليه السلام بين أخيه وأمه.
ويرد على قوله أوّلاً: على خلاف قاعدة مذهب الجعفريّة إذ مع وجود الأم كيف يأخذ الأخ الحصّة من الميراث؟ يقول: (فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه) أي أنّ هناك كانت مواريث لم تكن ظاهرة ولم يعلم أين ذهبت.
وأمّه وهي أمّ ولد فإن كانت ما زالت على رقّيتها فليس لها ميراث وإن كانت قد تحرّرت _ هذا واقع الحال فهي قد أصبحت حرة بواسطة حرية ولدها وهو الحسن العسكري عليه السلام... فالميراث كله لها وليس لجعفر ميراث.
وفي رواية أخرى أنّ الإمام الحسن العسكري عليه السلام قد أوصى بالمال الظاهر إلى أمه لتعيش منه مدة حياتها,(3) ولم تكن هناك مسألة ميراث.
يقول هذا الرجل: في هذه الحالة تحيّرت الشيعة, أي أنّ عامة الشيعة تحيرت وذهب كل قسم منهم إلى رأي, فيذكر هناك الآراء التي ظهرت بين الشيعة حين ذاك، ويذكر ثلاث عشر أو أربع عشر فرقة أصبحت حسب رأي إحسان إلهي ظهير.
أما هذا الرجل النسّابة _ أي النوبختي _ الذي قالوا بأنه ينفي وجود عقب للإمام العسكري عليه السلام فعبارته في حديثه عن الفرقة الثانية عشر كما يلي:
يقول: (قالت الفرقة الثانية عشرة وهم الإمامية ليس القول كما قالت هؤلاء كلّهم _ الفرق الأخرى _ بل لله عز وجل في الأرض حجّة من ولد الحسن بن عليّ عليه السلام, وأمر الله تعالى بالغ وهو وصي لأبيه، على المنهاج الأوّل والسنن الماضية ولا تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام ولا يجوز ذلك, ولا تكون إلاّ في عقب الحسن بن عليّ عليه السلام إلى أن ينقضي الخلق، متّصلاً ذلك ما اتّصلت أمور الله سبحانه وتعالى، ولو كان في الأرض رجلان لكان أحدهما الحجة، ولو مات أحدهما لكان الآخر الحجة ما دام أمر الله ونهيه قائمين في خلقه ولا يجوز أن تكون الإمامة في عقب من لم تثبت له إمامة (يقصد جعفر)، ولم تلتزم العباد به حجة ممن مات في حياة أبيه _ أيّ ممن قال بإمامة من توفي قبل الإمام الحسن عليه السلام _ ولا في ولده، ولو جاز ذلك صلح قول أصحاب إسماعيل بن جعفر الصادق عليه السلام ومذهبهم، ولثبتت إمامة محمّد بن جعفر عليه السلام إذن، وكان من قال بها محقاً بعد مضي جعفر بن محمّد عليه السلام ).(4)
يقول هذا الرجل صاحب الكتاب الذي ينسب إليه إحسان ظهير ما نسب وكذلك ابن تيمية ما نسب، يقول:
(وهذا الذي ذكرناه هو المأثور عن الصادقين، الذي لا تدافع له بين هذه العصابة ولا شك فيه لصحة مخرجه وقوة أسبابه وجودة أسناده، ولا يجوز أن تخلو الأرض من حجة ولو خلت ساعة لساخت الأرض ومن عليها، ولا يجوز شيء من مقالات هذه الفرق كلها فنحن مستسلمون بالماضي، وإمامته، مقرّون بوفاته _ وهذا ثابت _ ومعترفون بأن له خلفاً قائماً من صلبه، وأنّ خلفه هو الإمام من بعده حتّى يظهر ويعلن أمره ما ظهر وعلن أمر من مضى من آبائه ويأذن الله بذلك، إذ الأمر لله تعالى يفعل ما يشاء ويأمر بما يريد من ظهوره وخفائه، كما كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: (اللهم إنّك لا تخلي الأرض من حجة لك على الخلق ظاهراً معروفاً أو خائفاً مستوراً أو مغموراً كي لا تبطل حجتك وبيناتك) (5) وبذلك أمرنا جاءت الأخبار الصحيحة عن الأئمّة الماضين عليهم السلام الماضين، لأنه ليس للعباد أن يبحثوا عن أمور الله تعالى ويقضوا بلا علم لهم ويطلبوا آثار ما ستر عنهم، ولا يجوز ذكر اسمه ولا السؤال عن مكانه حتى يأمر بذلك هو عليه السلام إذ هو عليه السلام خائف مغمور مستور بستر الله سبحانه وليس علينا البحث عن أمره، بل البحث عن ذلك وطلبه محرم ولا يحل ولا يجوز لأن في إظهار ما ستر عنا وكشفه إباحة دمه ودمائنا، وفي ستر ذلك والسكوت عنه حقنهما وصيانتهما ولا يجوز لنا ولا لأحد أن يختار إماماً برأي واختيار... إلى أخر كلامه الشريف).(6)
هذا هو مذهب النوبختي إخوتي الأجلاء، وهذا استدلال إحسان إلهي ظهير واستدلال ابن تيمية أن هذا الرجل النسّابة يذكر ويؤكد أن لا عقب للإمام العسكري عليه السلام ، وهو يقول بإمامة الحجة عجل الله فرجه الشريف... هكذا يفعل هؤلاء.
كيف ما كان، هذا أهم ما يستند إليه هؤلاء في قولهم بأن النسّابة أكدوا أن لا ولد للإمام العسكري عليه السلام ، في الوقت الذي نرى فيه أن ذلك النساب يؤكد أنّ للإمام العسكري ولد وهو المنتظر عجل الله فرجه الشريف. الاختلاف في المولد:
ومن جملة إشكالاتهم أنه اختلف في مولد الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف ، وهذا دليل على عدمه.
وهذا غريب، حيث استدلوا على أن الاختلاف في ولادة دليل على عدمها، أليس المسلمون اختلفوا في ولادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ؟!
أليس القرآن الكريم قد شهد باختلاف الناس في عدد أصحاب الكهف؟! ليس في تاريخهم بل في أنفسهم يقول: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ...)(7) فهل يعني أن أصحاب الكهف غير موجودين.
إنكار جعفر:
ومن جملة أدلتهم _ بل نقول سخافاتهم _ يقولون: لو كان له ولد لعلم أخوه جعفر، لأنّه أقرب الناس إليه، لكنّه أنكر وادعى الإمامة.
ونحن نقول لإحسان إلهي ظهير: إنكار عمّ النبي لرسالته هل يصلح دليلاً على عدم نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟
لماذا إنكار قحافة لخلافة ابنه لا يعدّ دليلاً على عدم خلافته؟ لقد أرسل أبو بكر إلى أبيه وقال له: لقد بايعني الناس وأنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: كلامك متناقض تقول خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم تقول الناس اختاروني! اخرج من الأمر الذي أنت لست أهلاً له، لما اختارك الناس وفيهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام ؟ قال: أنا أكبر منه سناً، قال: أنا أبوك أكبر منك سناً، إذا كانت الخلافة بكبر السن فأنا أكبر منك وإذا كانت في العمر كان سلمان الفارسي أكبر منهم.(8)
إن كان إنكار جعفر لولادة الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف دليلاً، كذلك إنكار قحافة يكون دليلاً على عدم خلافة أبي بكر. الاختلاف في اسم الأم:
ومن جملة إشكالاتهم وسخافاتهم اختلافهم في اسم أمّ الإمام المنتظر. هذا من جملة الأدلة.
أوّلاً: اختلاف الأسماء أو تعدد الأسماء إن كان دليلاً على العدم فإنّ لله تعالى تسعة وتسعين اسماً، بناءً على أن الأسماء توقيفية، وإلاّ فهي غير محصورة كما ورد في دعاء الجوشن الكبير, هل يعني هذا أن الله تعالى غير موجود (العياذ بالله).
من هوان الدنيا أن يكون ويعبر عن هؤلاء الأشخاص بأنهم علماء ومحققون للمسلمين.
يقولون لا، ليس تعدد الأسماء بل اختلاف الأسماء، فقد قيل اسمه كذا وقيل: كذا وكذا.
وقد نسى إحسان الهي ظهير وابن تيمية أن هناك رواية صرحت بتعدد أسماء أمّ الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف باعتبارات متعددة, وليس هناك اختلاف في اسمها بل لها أسماء متعددة، كما للزهراء سلام الله عليها وكذلك لعائشة.(9)
وتعدد الأسماء لا يقتضي عدم وجودها على من كان له خبرة بالتاريخ ولو بسيطة جداً، إن الجواري كانت تتعدد أسماؤها غالباً، وأمّ الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف أمّ ولد، كما أنّ أمّ الإمام الحسن العسكري عليه السلام أمّ ولد.
وتعدّد الأسماء كان له أسباب وكانت الأسباب حسب الجارية، إما لعفتها أو لنزاهتها وغيرها، وربما تعددت الأيدي على ملكها، ويستحب تغيير اسم المملوك عندما يشتريه المشتري، ولذلك ربّما تعددت الأسماء لهذا السبب، وأمّ الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف كانت في بلد النصارى وكان لها اسم بلغتها ثم هي أخفت اسمها وسميت باسم جديد لها في الطريق، ثم الإمام عليه السلام سماها باسم آخر.
وهناك وجوه أخرى وردت في الرواية لماذا تعددت أسماء أمّ الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف.(10)
عدم الظهور:
ومن أدلتهم على عدم وجود الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف أنه لو كان موجوداً لظهر إلى العيان.
وهذا عين دليل الملاحدة الذين ينكرون وجود الله سبحانه قائلين بأنّه لو كان الله موجوداً لرأيناه. وهناك أحد الملعونين في الاتحاد السوفيتي السابق يقول: صواريخنا وصلت إلى القمر وما وراء القمر لم تر الله سبحانه وتعالى.
وما ورد في القرآن الكريم: (وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَْسْبابَ) (11) أي سلماً عالياً أرى إله موسى عليه السلام. اختفاء الإمام عليه السلام:
ومن جملة خرافاتهم أنه لو كان موجوداً ما كان هناك داعٍ للاختفاء.
ونحن نقول: لماذا أخفى الله سبحانه وتعالى آثار أهل الكهف؟ ولماذا أخفى ولادة موسى بن عمران عليه السلام ؟ أفهل كان سبحانه وتعالى عاجزاً عن حماية موسى عليه السلام من فرعون إلاّ بالإخفاء (العياذ بالله).
هذه أبرز الإشكالات، وعمدتها كان هذا الكتاب، وهو كتاب فرق الشيعة للنوبختي (رضوان الله تعالى عليه). إثبات الولادة:
في الواقع أن هذا الرجل _ النوبختي _ هو من كبار علماء الشيعة، كما أكّد النجاشي(12) وغيره, وكان معروفاً بالتدين والورع والعفة والصلاح والخبرة وغير ذلك، ولكنهم أرادوا أن يتشبثوا بهذا.
قلنا في الندوة السابقة بأنّ انتساب إنسان ما إلى والده لا بدّ أن يكون بذكر اللازم فقط، وإلاّ نفس الانتساب وإقامة البينة عليه, وإقامة الشهادة عليه مستحيلة، لأنه كيف يعلم أن زيداً ولد من نطفة عمر, هذا لا يمكن مشاهدته، بل أكثر ما يمكن الشهادة عليه هو أن والده واقع زوجته وبعد تسعة أشهر خرج من بطن أمه, وخروجه من بطن أمه يثبت بنوته لأمه ولا يثبت بنوته لأبيه، إلاّ أن يثبت أنّ هذه النطفة خرجت من فلان ودخلت إلى رحم فلانة، ولا طريق لإثباته من طريق الحواس الخمس، وليس له طريق إلاّ بإثبات اللازم بالشهادة, الأم تقول: إنّ هذا ابن فلان، الأب يعترف أن فلان ابنه، الابن يعترف أنّ فلاناً أبوه ولم يكن له مانع.
والفراش يعتبر علامة شرعية بحكم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: (الولد للفراش) (13) وذلك حينما يدعي غيره.
وأمّا أصل الإثبات فلا يكون إلاّ بالاعتراف من الوالد أو الولد أو الأم.
أما إثبات نسبته للأم فيمكن ذلك بشهادة القابلة، وبشهادة من حضر من النساء أو غير النساء عند خروج الطفل من بطن أمه.
فإنّ هناك روايات متعددة من رواة متعددين تحمل شهادة حكيمة عليها السلام أنّها كانت حاضرة في خدمة أم الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف ، ليلة ولادة الإمام المنتظر عليه السلام فولد عليه السلام.(14)
وطائفة أخرى من الروايات تذكر شهادة الإمام الحسن العسكري عليه السلام حيث قدّم ولده الشريف إلى الخاصة من شيعته وقال: (هذا إمامكم بعدي وهو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً... ).(15)
هاتان طائفتان من الروايات، وهناك طائفة ثالثة تروي اعتراف الأئمّة السابقين، فمثلاً إمام يقول: كذا جيل بعدي يكون السابع أو التاسع من أولادي إمام، أي يحدد العدد.
وبعض الروايات: عن الإمام الرضا عليه السلام ،(16) أو عن الإمام الصادق عليه السلام ،(17) والبعض الآخر عن الإمام الكاظم عليه السلام (18) كلها تثبت ولادة الإمام عجل الله فرجه الشريف.
وقلنا: الولادة والنسب يثبت بإثبات اللازم فقط ولا يحتاج إلى تكوّن الولد من النطفة، وإلاّ فعلى إحسان إلهي ظهير أن يثبت إنه ابن والده أو ابن تيمية.
وعليه لا سبيل للإثبات إلاّ عن هذا الطريق. فتكون عندنا ثلاث طوائف من الروايات:
طائفة عن الإمام العسكري عليه السلام قال فيها بأنّ هذا ابني وهو إمامكم بعدي.
وطائفة ثانية تنتهي إلى حكيمة عليها السلام وشهادتها بذلك، وشهادة النساء بخصوص الولادة مسموعة.
وطائفة ثالثة ترجع إلى الأئمّة عليهم السلام الذين أخبروا أنّه بعد العدد الفلاني من الأئمّة يكون الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف ، أو يكون منه الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف.
مما يثبت أن الروايات متواترة، لأنّها روايات من أشخاص متعدّدين مختلفين لا يعرف أحدهم الآخر، فكل منهم يدخل في سند مستقل عن الآخرين.
أما أخبار الأئمّة عليهم السلام ففي عقيدتنا أنّهم يخبرون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنهم أئمّة، وأنهم أولياء أمر, وأنهم معصومون، فعندما يذكر الإمام الرضا عليه السلام أنّ فلاناً بعد فلان وبعد فلان فلان من ولدي فالإمام الرضا عليه السلام _ حسب مسلكهم _ لا يعلم الغيب ولكن يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنّ التسلسل الفلاني من ولده يكون هو الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف ، وهذا أكبر شاهد ودليل على ولادته سلام الله عليه.
والحمد لله رب العالمين
(الإجابة على أسئلة الندوة الثانية)
الأسئلة: س 1/ هل يمكن القول أن الإمام منذ ولادته هو إمام ولا يمكن له تحمل أمور الإمامة حتى وفاة الإمام الأب؟ ج 1/ ينبغي أن نعلم أن كل إمام لاحق يجب عليه إطاعة الإمام السابق، والإمام السابق كما هو إمام على باقي الناس كذلك هو إمام على ولده وابنه الإمام، فمثلاً كما كان أمير المؤمنين عليه السلام إماماً على الناس كذلك كان إماماً على الحسن والحسين عليهما السلام.
س 2/ حديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (أنّ الأئمّة بعدي اثنا عشر إماماً كأسباط بني إسرائيل)،(19) ألا يعتبر هذا دليلاً على وجود الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف خلافاً إلى ما ذهب إليه إحسان إلهي نظير وابن تيمية؟
ج 2/ هذا ليس هو مورد الإشكال، إذ أنّ الإشكال لم يكن في عدد الأئمّة، ولكن الإشكال في أن الإمام الثاني عشر ولد أم لم يولد. فلا يمكن جعله دليلاً. س 3/ إذا كان جعفر أخو الإمام العسكري عليه السلام يعلم يقيناً أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسنين عليهما السلام فكيف يقنع الشيعة وهم عالمون بهذا الأمر بإمامته لو لا تأكده من عدم وجود الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف؟
ج 3/ هذا السؤال غريب وغير واضح، فكيف تمكّن السامري من إقناع بني إسرائيل بأن ربهم هذا العجل؟! هذا أوّلاً، وثانياً قصة جعفر فيها كثير من الغموض لا يسع الوقت لذكرها. س 4/ البعض يقول: إن ما يحصل في الآونة الأخيرة لهو دليل أو علامات على ظهور الحجة عجل الله فرجه الشريف؟ ج 4/ علامات ظهور الإمام عجل الله فرجه الشريف مذكورة ومحددة في الكتب، بعضها حتمي وبعضها غير حتمي، أما الغير حتمي فأغلبها تحققت، وأما الحتمي فلم يحدث منها شيء، وأما اختلاف الناس والشيعة فهذا المعنى حاصل منذ القدم وليس بشيء جديد. س 5/ هل هناك من يتصل بالإمام عجل الله فرجه الشريف في زمن الغيبة بالمباشرة؟ أم أن اللقاءات الواردة مع الإمام عليه السلام حاصلة ولكن لا يعلم الذي التقى به أنه الإمام عجل الله فرجه الشريف ؟ ما هو المانع من الاتصال بالإمام عجل الله فرجه الشريف بالمباشرة على فرض عدم الإمكان من الاتصال به؟
ج 5/ أوّلاً: قلت في الجلسة السابقة أن الأمر الممنوع هو إدعاء السفارة الخاصة، بأن يدّعي شخص أنّه السفير الخامس، بعد أن ثبت أنّ السفراء الخاصين هم أربعة فقط.
وأمّا الرؤية فممكنة كما حصلت لبعضهم، كما نسب أيضاً لبعض الأعلام، ولكن عليه أن يخفي ولا يظهر ذلك إلاّ إذا أمره الإمام عجل الله فرجه الشريف بإظهاره. ولكن معظم ما روي من القصص أنه انتبه أن الشخص الذي ألتقاه هو الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف بعد ما فارقه، ونقل أن شكل الإمام عجل الله فرجه الشريف لا يثبت في فكر الرائي أبداً فلا يستطيع أن يحدد شكله عند رؤيته ثانياً، لأن الله تعالى يريد إخفائه.
إثبات إمكانية طول عمر الإمام المهدي(عج) علمياً ودينيًا
المصدر: الإمام المهدي(عج) وظواهر التشكيك
تأليف السيد الشهيد حسن الشيرازي
إن التشكيك في طول عمر الإمام المنتظر ناتج من (استبعاد) أن يعيش إنسان أكثر من ألف عام في الوقت الذي ﻻ يعيش الناس - غالباً - مائة عام، و(الاستبعاد) ليس دليلاً علمياً، فكل علماء الأمس كانوا يقولون: (استبعاد) أو(استحالة) جميع حصائل العلم الحديث اليوم، وكل علماء اليوم يقولون: (استبعاد) أو(استحالة) أشياء ستحقق في الغد. فـ (الاستبعاد) ليس دليلاً يمكن الاعتماد عليه لنفي شيء.
تفنيد التشكيك دينياً:
الأول: تقول المصادر الدينية بأن العديدين من البشر عاشوا طويلاً، فالنبي نوح كانت فترة رسالته قبل الطوفان تسعمائة وخمسين سنة كما يقول القرآن الكريم: (فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان) وحياة نوح وسعت ثلاث مراحل، المرحلة الأولى، تبدأ بميلاده وتنتهي ببعثته رسولاً إلى قومه. المرحلة الثانية، تبدأ ببعثته رسولاً إلى قومه وتنتهي بالطوفان، المرحلة الثالثة تبدأ بالطوفان وتنتهي بوفاته. وفي بعض الحديث أن مجموع حياته بلغت ألفين وخمسمئة سنة.
والخضر وإلياس كانا من قبل موسى بن عمران، ولا زالا حيين يرزقان. وعيسى ابن مريم ولد قبل حوالي ألفي سنة وعاش إلى اليوم، ولن يموت قبل أن ينزل من السماء، ويوجّه المسيحيين إلى الدين الحق، كما يقول القرآن: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً) [سورة النساء: الآية 159]. والأعور الدجال كان قبل أيام النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ولا زال حياً. وسيبقي حتى يقتل بيد عيسى ابن مريم عند ظهور الإمام المنتظر، وعوج بن عناق - سبط آدم - عاش ثلاثة آلاف سنة حتى قتله موسى بن عمران حسب النصوص الواردة في شأنه.
وإذا عاش غير الإمام المنتظر طويلاً فماذا يمنع أن يعيش الإمام المنتظر طويلاً، وهو لم يبلغ حتى الآن من العمر ما بلغه أولئك؟
احسنت وبارك الله فيكي وردة الوداد على هذا البحث الرائع
ونحن ينقصنا الكثير من المعلومات التي تثبت ولادته عليه السلام
ننتظر جديدك
التعديل الأخير تم بواسطة إيليا ; 22-Aug-2008 الساعة 12:59 PM.