اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم
وأرحمنا بهم يا كريم
(ملحق)
لقاء أجرته مجلة (الانتظار) الفصلية
مع سماحة الشيخ ودار معه هذا الحوار حيث أجاب عن أسئلة المجلة مشكوراً
س 1/ شيخنا الأجل بعد تعريفكم لمفهوم الانتظار قد يتداعى إلى الذهن ان الانتظار بحالته السلبية هو ما تعنيه المفاهيم المطروحة، وبحالته الايجابية هو ما لم تحدده رويتنا الفعلية للانتظار؟ اذن كيف تنظرون للانتظار بحالته السلبية والايجابية في ضوء روايات الأئمة عليهم السلام والواقع الفعلي المعاش والحالة النفسية التي يعيشها؟
ج 1/ الانتظار من التنظر وهو توقع الشيء والانتظار المأمور به في المقام هو توقع دولة الحق على يدي الموعود والمؤمل من لدن ادم وإلى زماننا هذا، والمستفاد من الروايات أن دولة الحق موعودة وعد بها الله سبحانه عباده الصالحين وأنه يأتي يوم يحكم الحق تحت راية السلطان العادل البسيطة كلها قال الله سبحانه (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ). والذي ينبغي أن يلتفت إليه في هذا الشأن ضمن هذه العجالة أمور منها:
الأمر الأوّل: ان الانتظار واجب بحكم العقل والشرع أما العقل فلما نعلم من طبيعة البشر أنه لا يندفع إلى فعل ولا ينبغي أن يندفع إلا إذا أحرز أنه يؤدي إلى ما يرغب فيه ويتمناه، وتوقع الوصول إلى البغية يدفعه إلى العمل، فالتوقع والانتظار لدولة الحق على يد الإمام المنتظر عليه السلام مقدمة أساسية ومنطلق فكري وعملي نحو بذل الطاقة والجهد في سبيل الوصول إلى تلك البغية، وأما الشرع فقد ورد الأمر بالانتظار في كثير من الروايات فبلغ حد التواتر بل في بعضها أن الانتظار من أفضل الأعمال في عصر غاب عنه الحق عن البسيطة وأصبحت الأرض بيد الطغاة يلعبون بالصالحين وبمقدراتهم بل مقدرات الشعوب كلها حسب ما تشتهي نفوسهم وتدفع إليه أهواؤهم فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضمن حديث (انتظار الفرج عبادة) وعن أمير المؤمنين سلام الله عليه وقد سأله رجل عن أحب الأعمال إلى الله سبحانه قال: (انتظار الفرج) وعن علي بن الحسين عليهما السلام ان أهل زمان غيبة (الإمام المنتظر) القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان لأن الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والافهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف أولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقا والدعاة إلى دين الله سراً وجهراً، وقال عليه السلام انتظار الفرج من أعظم الفرج، وفي رواية عن الإمام علي سلام الله عليه (انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله وإن أحب الأعمال إلى الله عز وجل انتظار الفرج)، وعن أبي جعفر عليه السلام عن جده رسول الله أنه قال: (اللهم لقني إخوتي) مرتين، فقال من حوله من أصحابه: أما نحن إخوانك يا رسول الله؟ فقال: لا، إنكم أصحابي وإخواني قوم في آخر الزمان آمنوا بي ولم يروني لقد عرفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم. وعنه عليه السلام عن جده رسول الله أفضل العبادة انتظار الفرج، وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (من مات على هذا الأمر منتظراً له هو بمنزلة من كان مع الإمام القائم في فسطاطه ثم سكت هنيئة ثم قال: هو كمن كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )، وعن الإمام موسى الكاظم سلام الله عليه عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله عز وجل )، وعن الإمام الرضا سلام الله عليه وقد سئل عن شيء من الفرج فقال: (أليس انتظار الفرج من الفرْج) فقد روى أكثر من سبعين رواية تدل على وجوب الانتظار.
الأمر الثاني: ان الانتظار لشيء مهم كما يدفع الإنسان إلى التهيؤ والإعداد والاستعداد لما يتوقعه وينتظره كذلك يقض مضجع العدو المعاند للحق، وقد سطر في التاريخ كيف كان الطغاة يخافون وجود الإمام المنتظر وولادته على غرار خوف فرعون من ولادة موسى حتى ذبح ما لا يعلم عدده من الأطفال ليحول دون ولادة موسى عليه السلام ولكن الله بالغ أمره، وقد سعى بنو العباس ومن قبلهم بنو أمية لقطع نسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذرية علي طمعاً في الدنيا وحذرا من مجيء دولة الحق وكان أيام الغيبة الصغرى وما تلتها من الأيام موحشة ومربكة لبني العباس فكانوا يبحثون عن الإمام المنتظر وعن وكلائه وعمن يدل عليه بحث الخرزة فكانوا يقتلون كل من يسمعون منه كلمة تدل على إيمانه بالغائب فبقاء العدو في قلق واضطراب وفقد الطمأنينة وتخبطه خبط عشواء من الفوائد المهمة المترتبة على الانتظار.
الأمر الثالث: لا شك في أن إقامة دولة الحق على أنقاض نظم الفساد والجور وإقامة صرح العدل بعد هدم قصور الجور والطغيان يتوقف على الإعداد النفسي، فلو حصلت تلك الدولة بدون الإعداد النفسي الكامل وإصلاح العقول التي شوشت وانحرفت عن نهج التفكير السليم وأصبحت ترى في كثير من الأحيان الباطل حقا والحق باطلاً، وكذلك الأجسام التي تعودت على حب الدنيا، والعيون التي تأثرت وتغوشت بمباهج الحياة الدنية الخلابة يكون مصير تلك الدولة مصير سلطة علي بن أبي طالب والإمام الحسن عليهما السلام فان الأسباب الطبيعية لم تكن موآتية والنفوس لم تكن مستعدة لدولة الحق والظلمة التي سيطرت عليهم بعد وفاة رسول الله وانمحت ملامح السلطة العادلة عن النفوس واختفت جل القلوب الطيبة في تلك المدة التي جاوزت ثلاثة وعشرين سنة، والظروف التي نعيشها تشبه تلك فلابد من إصلاح الأنفس بزرع حب الدين وحب العدل والإنصاف وكره الظلم والفساد إعداداً للنفوس لتقبل الحق.
الأمر الرابع: يجب إعداد الظروف الخارجية لنشر الحق وإعداد الأنصار للدين ونشر الوعي بين المسلمين أولاً وبين غيرهم جلبا للنفوس الصالحة للهداية ثانياً، فان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الواجبات الشرعية والعقلية والاجتماعية فما لم يكن هناك أنصار بعدد واف لنصرة الحق وما لم يكن هناك وعي كاف لاحتواء الحق وما لم يكن هناك ما ينبغي تهيئته لاستقبال دولة الحق لم يكن وجه لبدء إقامة تلك الدولة والاستعجال في مثل هذه الأمور بالتأكيد يأتي بنتائج وخيمة ويفوت من ذلك أعظم المقاصد.
الأمر الخامس: يجب إتمام الحجة على كل مناوئ للحق ومعاند له لان دولة الحق سوف تحاسبهم فلا ينفع الانصياع للحق حين إقامة العدل ووقت المحاسبة وإنزال العقوبة على كل ظالم غاشم وغاصب ومفسد، وإلى هذا المعنى أشير في عدة آيات قرآنية ففي سورة الأنعام: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) آية 185 وفي سورة الأعراف آية 71 اشارة الى ذلك وإلى الحجج الواهية لدى أهل الباطل يستندون إليها في مناوأة الحق قال: (قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) وفي سورة يونس إشارة إلى استعجال أهل الباطل ما لا يؤمنون به سخرية واستهزاءاً وتمرداً واستخفافاً (وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في سورة يونس آية 102 (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) وفي سورة هود (اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) وفيها تحذير واضح للمعاندين لئلا تهدأ نفوسهم ولا تهنأ معيشتهم بما نالوا بالظلم من حقوق المظلومين، وبعث الأمل في نفوس المحرومين بالبشارة لهم بالانتقام من الظالمين.
الهوامش
(1) إكمال الدين وإتمام النعمة: 333/ ح 1، و: 338/ ح 1، و: 338.
(2) إكمال الدين وإتمام النعمة: 33.
(3) إكمال الدين وإتمام النعمة: 335/ ح 7.
(4) مسائل عليّ بن جعفر: 325/ ح 810؛ الإمامة والتبصرة: 113/ ح 100؛ الكافي 1: 336/ ح 2؛ علل الشرائع 1: 244/ ح 4؛ إكمال الدين وإتمام النعمة: 360/ ح 1؛ دلائل الإمامة للطبري: 534/ ح 516؛ كتاب الغيبة للطوسي: 377/ ح 284.
(5) إكمال الدين وإتمام النعمة: 372/ ح 6.
(6) راجع: إكمال الدين وإتمام النعمة: 369/ الباب 35، ما روي عن الرضا عليّ بن موسى عليهما السلام.
(7) إكمال الدين وإتمام النعمة: 377/ ح 1.
(8) إكمال الدين وإتمام النعمة: 409/ ح 9.
(9) إكمال الدين وإتمام النعمة: 435/ ح 12.
(10) إكمال الدين وإتمام النعمة: 432/ ح 12.
(11) الكافي 1: 330.
(12) إكمال الدين وإتمام النعمة: 430/ ح 3.
(13) إكمال الدين وإتمام النعمة: 430.
(14) كتاب الغيبة للطوسي: 393.
(15) كتاب الغيبة للطوسي: 244.
(16) إكمال الدين وإتمام النعمة: 430/ ح 5.
(17) كتاب الغيبة للطوسي: 232.
(18) كتاب الغيبة للطوسي: 232.
(19) إكمال الدين وإتمام النعمة: 430/ ح 6.
(20) إكمال الدين وإتمام النعمة: 431/ ح 7.
(21) إكمال الدين وإتمام النعمة: 435/ ح 3.
(22) كتاب الغيبة للطوسي: 234/ ح 203.
(23) إكمال الدين وإتمام النعمة: 473/ ح 25.
(24) إكمال الدين وإتمام النعمة: 473/ ح 1.
(25) إكمال الدين وإتمام النعمة: 409/ ح 9.
(26) إكمال الدين وإتمام النعمة: 476/ ح 26.
(27) كتاب الغيبة للطوسي: 251/ ح 221.
(28) إكمال الدين وإتمام النعمة: 473/ ح 25.
(29) كتاب الغيبة للطوسي: 234/ ح 204.
(30) كتاب الغيبة للطوسي: 238/ ح 206.
(31) كتاب الغيبة للطوسي: 245/ ح 214.
(32) الأنبياء: 23.
(33) الروم: 41.
(34) لاحظ: مختصر بصائر الدرجات: 117؛ بحار الأنوار 52: 336/ ح 71.
(35) الرحمن: 29.
(36) المائدة: 64.
والحاصل:
ان الانتظار يشتمل على أمل للصالحين وحثهم على التمسك بالطريقة المثلى، ويحتوي على تحذير للظالمين، وبث روح التضحية والفداء للمخلصين، والدعوة إلى الحق للضآلين والهداية للمنحرفين والزام المؤمنين بالإعداد والاستعداد لذلك اليوم العظيم اليوم الذي يظهر فيه الله الحق ويزهق الباطل على يد الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف.
يتيع ..