اللهم صلّ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم الشريف يا كريم
يشكل عبق الأجواء والمناخات الروحية والإيمانية في مدينة كربلاء المقدسة معلماً بارزاً وميزة تنفرد بها المدينة عما سواها من المدن العراقية الأخرى، حيث ضريح الامام الحسين، ويقابله ضريح أخيه العباس (عليه السلام)، وعلى مرمى حجر منهما تل الزينبية، وهو مزار للسيدة زينب (عليها السلام) شقيقتهما. وفي أطراف المدينة تمتد القبور على مساحات شاسعة من الأرض.. أضف إلى ذلك أن هناك عدداً كبيراً من المساجد والحسينيات التي تؤدي دوراً فاعلاً ومهماً في إحياء المناسبات الدينية، ونشر وإشاعة ثقافة أهل البيت (عليهم السلام). ولعل ذلك يبدو واضحاً وجلياً إلى حد كبير خلال شهر محرم الحرام، وخلال شهر رمضان المبارك أكثر من أي وقت آخر
وقد أضفى الطابع الديني للمدينة ومناخاتها الروحية قدراً كبيراً من الثراء الثقافي والقدرة على التعاطي والتعامل مع أناس من مشارب ومستويات وانتماءات وثقافات مختلفة
وفي ظل تلك الأجواء والمناخات الروحية، كان لضريح سيدنا العباس (عليه السلام) خصوصية جعلته يمثل مأوى وملاذاً لأصحاب الحوائج
وهناك عوامل عديدة
جعلت الرابطة الروحية بين الناس والعباس (عليه السلام) من خلال ضريحه المقدس في كربلاء، ذات طابع خاص إذغ صح التعبير. ومن تلك العوامل أن الطريقة التي استُشهد بها العباس كانت في واقع الأمر طريقة مأساوية هزت وما زالت تهز مشاعر الملايين من الناس، وفي الوقت ذاته فإن التضحية والإيثار اللذين أظهرهما العباس من أجل إعلاء كلمة الدين ومساندة أخيه الإمام الحسين (عليه السلام) والدفاع عن حرائر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسعيه إلى إنقاذ الأطفال والنساء بجلب الماء إليهم بأي وسيلة، كل ذلك جعل منه ثائراً وبطلاً قلّ نظيره في التاريخ. ويمكن للمرء أن يلمس مدى ذلك الارتباط الروحي والتعلق العاطفي والوجداني في يوم السابع من شهر محرم الحرام، الذي يوصف بأنه يوم العباس (عليه السلام)، وكذلك عند قراءة مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) صبيحة يوم العاشر
ولعل الزائر عندما يدخل إلى صحن العباس (عليه السلام) يطالع عبارة: "السلام عليك يا قمر بني هاشم".. ولا شك في إن لتلك العبارة معاني ودلالات عظيمة، بصرف النظر عمن هو قائلها. وقمر بني هاشم واحد من ألقاب عديدة للعباس (عليه السلام)
والملاحظ إن زوار مدينة كربلاء وزوار العباس (عليه السلام) ليسوا من العراقيين فحسب، بل إنهم يأتون من أقطار وبلدان مختلفة. وهم ليسوا من أبناء الطائفة الشيعية فقط، بل من أبناء الطائفة السنية وطوائف إسلامية أخرى. إذ هناك كرامات كثيرة للعباس (عليه السلام) يتناقلها الناس فيما بينهم، ولعل من بينها شفاء كثير من المصابين بأمراض استعصى على الأطباء علاجها. وإن تناقل روايات كثيرة عن تلك الكرامات الإلهية على ألسنة الناس، دفع أناساً مسلمين من غير أبناء الطائفة الشيعية، أو من غير المسلمين أصلاً، للتوجه إلى ضريح العباس (عليه السلام) إما لطلب الشفاء لمريضهم، أو لكشف غم أو هم ألم بهم. وهكذا فإن القدسية التي يحظى بها هذا الرجل جعلته يحتل مكانة قريبة جداً إلى مكانة الأئمة المعصومين (عليهم السلام)
وما يكشف جانباً مهماً من تلك القدسية، أن معظم الناس يتجنبون كثيراً أن يقسموا كذباً بالعباس، لأن لديهم قناعة واعتقاداً راسخاً بأن أذى سيلحق بهم جراء فعلهم هذا. وقد نقل لنا عدد من سدنة الروضة العباسية المباركة بعضاً من الكرامات التي شاهدوها ولمسوها خلال عملهم هناك منذ عدة أعوام
وكذلك فإن الناس يأتون إلى الضريح المقدس للعباس (عليه السلام) في ظل مشاعر تمتزج فيها عوامل الرهبة والوجل والخوف بآفاق الأمل والتفاؤل واليقين وصدق الاعتقاد، ويخرجون منه ونفوسهم وقلوبهم منشرحة بعبق أجواء المكان الروحية والمعنوية، ليتوجهوا إلى الضريح الآخر المقابل له، لينهلوا منه المزيد
العباس هو ابن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأخو سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وحامل لوائه يوم عاشوراء. والعباس في اللغة بمعنى أسد الغابة الذي تفر منه الأسود
أمّه فاطمة الكلابية التي اشتهرت في ما بعد بكنية أُمّ البنين، وقد تزوّجها الإمام علي (عليه السلام) بعد استشهاد فاطمة الزهراء (عليها السلام)
ذكر أنّه ولد في 4 شعبان عام 26 للهجرة بالمدينة، وهو أكبر أبناء أم البنين الأربعة الذين استشهدوا في كربلاء بين يدي الإمام الحسين (عليه السلام). وعند استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) كان العباس في الرابعة عشرة من عمره، وفي كربلاء كان له من العمر 34 سنة
كنيته أبو الفضل وأبو فاضل ومن أشهر ألقابه: قمر بني هاشم، وساقي العطاشى، وحامل لواء الحسين، وحامل الراية، وأبو القربة، والعبد الصالح، وباب الحوائج و . . . إلخ
تزوّج العبّاس من لبابة بنت عبيد الله بن العبّاس (ابن عمّ أبيه)، ولد منها ولدان اسمهما عبيد الله، والفضل. وذكر البعض أنه له ابنين آخرين اسماهما محمد والقاسم
كان العباسي طويل القامة جميل الصورة، ولا نظير له في الشجاعة، وقد سمي بقمر بني هاشم لحسنه وجماله. وهو حامل لواء الإمام الحسين (عليه السلام) يوم العاشر، وساقي خيام الأطفال والعيال. وكان يتولّى في مخيم أخيه إضافة إلى جلب الماء، حراسة الخيم والاهتمام بأمن عيال الإمام الحسين (عليه السلام)
وعلى بعد ثلاثمائة متر تقريباً من مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) يوجد مرقد أبي الفضل العباس (عليه السَّلام)، في روضة مستقلة، ولم يكن الإمام يأذن بالحرب له ويستبقيه للقيادة فلما وجد الإمام وحيداً أصر على الإمام مستأذناً للقتال، فقال الإمام: (أنت صاحب لوائي)، فقال العباس: فداك روحي يا أخي فقد ضاق صدري من الحياة، فقال الحسين: فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء، فخرج العباس وخطب فيهم ووعظهم، ثم قال: يا عمر بن سعد هذا الحسين ابن بنت رسول الله قد قتلتم أصحابه وأهل بيته، وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى فاسقوهم من الماء فقد أحرق الضمأ قلوبهم، وهو مع ذلك يقول: دعوني أذهب إلى الروم أو الهند وأُخلي لكم الحجاز والعراق، فلما انتهى من كلامه وقد أثر كلامه في الجيش، وأخذ يلعن بعضهم بعضاً فصاح شمر، يا ابن أبي تراب، لو كان وجه الأرض كله ماء وهو تحت أيدينا، لما سقيناكم منه قطرة إلا أن تدخلوا في بيعة يزيد، ثم رجع العباس إلى الحسين وهو يسمع صراخ الأطفال من العطش، فأخذ قربته وحاربهم حتى وصل إلى الماء فملأ القربة وحملها متوجهاً نحو الخيام وأحاط به الأعداء من كل جانب ورموه بالنبال حتى صار درعه كجلد القنفذ من السهام، فكمن له زيد بن ورقاء من ورائه وقطع يمينه وهنا ارتجز (عليه السَّلام) يقول:
والله إن قـــــــطعتمو يـــــمــــيني إني أُحــــــــامي أبـــــداً عـن ديني
يؤكد على أن اندفاعه إنما هو عن الدين والإسلام وإمامه الإمام الحسين (عليه السَّلام) في الحقيقة يمثل الإسلام، وقاتل حتى ضعف ثم أصاب القربة سهم وأُريق ماؤوها وجاء من ضربه بعمود من حديد فانقض عليه الحسين (عليه السَّلام) فوقف عليه منحنياً وقال أخي، الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي وشمت بي عدوي، ولعل الحسين لهذا السبب لم يحمله إلى المخيم وبقي مرقده الشريف منفصلاً عن الشهداء، وهو كما قال الشاعر:
أحـــــق النــــــاس أن يــبكى عليه فتى أبكى الحســـــــين بكــــــربلاء
أخـــوه وابـــــــن والـــــده علي أبـــــو الفـــــضل المضرج بالدمــاء
اللهم صلّ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم الشريف يا كريم
النسب :
هو الإمام المعصوم الرابع علي ابن الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. والمعروف بين المحدثين بابن الخيرتين فأبوه: الحسين بن علي بن أبي طالب وأمه من بنات ملوك الفرس. جاء ربيع الأبرار للزمخشري ( إن لله من عباده خيرتين فخيرته من العرب بنو هاشم. ومن العجم فارس )
أمه:
اتفقت الروايات على أن أمه من أشراف الفرس، ولكنها اختلفت في تاريخ الاستيلاء عليها من قبل المسلمين. هي: شاه زنان بنت يزدجرد بن شهريار بن شيرويه بن كسرى. قال فيه أبو الأسود الدؤلي:
وإن غـلاماً بين كسرى وهاشم *1*1**1**1**1*1*1**1**1**1*1*1**1**1**1*1*1**1**1* *1* لأكرم من نـيطت عليه التمائم
ولادته:
جاء في بعض الروايات أن ولادة علي بن الحسين ( عليهما السلام ) يوم الجمعة ويقال يوم الخميس بين الخامس والعاشر من شهر شعبان سنة ثمان وثلاثين أو سبع وثلاثين من الهجرة
كنيته:
أبو محمد ويكنى بـ ( أبي الحسن ) أيضاً
ألقابه :
زين العابدين والسجاد وذو الثفنات والبكاء والعابد ومن أشهرها زين العابدين ولقب بذي الثفنات لأن موضع السجود منه كانت كثفنة البعير من كثرة السجود عليه
أما عن تسميته بالبكاء يروى الرواة عن الإمام جعفر بن محمد الصادق
عليه السّلام أنه قال: ( بكى علي بن الحسين على أبيه عشرين سنة ما وضع خلالها بين يديه طعام إلا بكى وقال له بعض مواليه : جعلت فداك يا بن رسول الله، إني أخاف أن تكون من الهالكين، فقال: إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، إني لم أذكر مصرع أبي وإخوتي وبني عمومتي إلا خنقتني العبرة
وقد روى الرواة كثيراً عن حزنه وبكائه فكان كلما قدم له طعام وشراب يقول:
كيف آكل وقد قتل أبو عبد الله جائعاً، وكيف أشرب وقد قتل أبو عبد الله عطشاناًَ. وكان كلما اجتمع إليه جماعة أو وفد يردد (عليهم) تلك المأساة ويقص عليهم من أخبارها. وأحياناً يخرج إلى السوق فإذا رأى جزاراً يريد أن يذبح شاة أو غيرها يدنو منه ويقول: هل سقيتها الماء؟ فيقول له: نعم يا بن رسول الله إنا لا نذبح حيواناً حتى نسقيه ولو قليلاً من الماء، فيبكي عند ذلك ويقول: لقد ذبح أبو عبد الله عطشاناً. كان يحاول في أكثر مواقفه هذه أن يشحن النفوس ويهيئها للثورة على الظالمين الذين استباحوا محارم الله واستهزأوا بالقيم الإنسانية والدعوة الإسلامية من أجل عروشهم وأطماعهم وقد أعطت هذه المواقف المحقة ثمارها وهيأت الجماهير الإسلامية في الحجاز والعراق وغيرها للثورة
إمامته: مدتها 35 سنة
روى الكليني بإسناده عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: (إن الحسين بن علي (عليهما السلام) لما حضره الذي حضره دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين (عليه السّلام) فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرة، وكان علي بن الحسين (عليهما السّلام) مبطوناً معهم لا يرون إلا أنه لما به فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين (عليه السّلام) ثم صار ذلك الكتاب إلينا يا زياد! قال: قلت: ما في ذلك الكتاب جعلني الله فداك؟ قال: فيه والله ما يحتاج إليه ولد آدم منذ خلق الله آدم إلى أن تفنى الدنيا والله إن فيه الحدود حتى إن فيه أرش الخدش كما روى المجلسي بإسناده عن محمد بن مسلم قال:
(سألت الصادق جعفر بن محمد (عليه السّلام) عن خاتم الحسين بن علي (عليهم السلام) إلى من صار، وذكرت له إني سمعت أنه أخذ من إصبعه فيما أخذ قال (عليه السّلام): ليس كما قالوا، إن الحسين أوصى إلى ابنه علي بن الحسين (عليه السّلام) وجعل خاتمه في إصبعه وفوّض إليه أمره كما فعله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأمير المؤمنين (عليه السّلام) وفعله أمير المؤمنين بالحسن (عليهما السلام)، وفعله الحسن بالحسين (عليهما السلام)، ثم صار ذلك الخاتم إلى أبي بعد أبيه، ومنه صار إلي فهو عندي، وإلي لألبسه كل جمعة وأصلي به، قال محمد بن مسلم: فدخلت إليه يوم الجمعة وهو يصلي فلما فرغ من الصلاة مد إلي يده فرأيت في إصبعه خاتماً نقشه: لا إله إلا الله عدة للقاء الله. فقال: هذا خاتم جدي أبي عبد الله الحسين بن علي
مكان الولادة
واختلف المؤرخون في المكان الذي حظي بولادة الإمام زين العابدين عليه السلام، وفيما يلي ما ذكروه
(أ) أنه ولد في الكوفة
(ب) كانت ولادته في يثرب
والذي أراه أن ولادته كانت في الكوفة، وذلك لما أجمع عليه الرواة والمؤرخون أنه ولد قبل وفاة جده أمير المؤمنين (عليه السلام) بسنتين ومن المقطوع به أن الإمام الحسين وأفراد عائلته كانوا مع الإمام أمير المؤمنين في الكوفة، ولم يقم أي أحد
منهم في يثرب طيلة خلافته
الزمان
وتضاربت أقوال المؤرخين في الزمان الذي كانت فيه ولادة الإمام، وفيما يلي ما ذكروه:
(أ) ولد في اليوم الخامس من شعبان سنة (38 هـ)(5) وذلك في يوم الخميس
(ب) ولد في يوم الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة (38 هـ)
(ج) ولد في النصف من جمادى الأولى سنة (38 هـ)
(د) ولد يوم الجمعة 26 جمادى الآخرة سنة (38 هـ)
(هـ) ولد في شهور سنة (33 هـ)(10)
وهذا القول شاذ ومخالف لما أجمع عليه الرواة
والمؤرخون من أن ولادته كانت سنة (38 هـ)
والمشهور عند الإمامة هو القول الأول، فإنهم يقيمون مهرجاناتهم العامة إحياء لذكرى ولادته في اليوم الخامس من شعبان
صفاته الجسمية
أما صفاته وملامحه الجسمية فقد ذكر المؤرخون أنه كان أسمر قصيراً نحيفاً(1 ورقيقاً(2)، وكان كلما تقدمت به السن ازداد ضعفاً وذبولاً، وذلك لكثرة عبادته، وقد أغرقته في الأحزان والآلام مذبحة كربلاء، فقد ظلت أهوالها تلاحقه حتى لحق بالرفيق الأعلى
هيبته ووقاره
أما هيبته فتعنو لها الوجوه والجباه، فكانت تعلو على أسارير وجهه أنوار الأنبياء، وهيبة الأوصياء، ووصف شاعر العرب الأكبر الفرزدق في رائعته هيبة الإمام بقوله:
يكــــاد يمسكــــــه عرفان راحته
ركـــن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياءً ويغضى من مهابته
فـــلا يكـــــلم إلا حــــــين يبـتسم
ويقول الشيخاني القادري: وكان لا تشبع من رؤية صباحة وجهه عين الناظر لقد كانت هيبته تحكي هيبة جده الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله، وقد بهر بها المجرم السفاح مسلم بن عقبة الذي استهان بجميع القيم والمقدرات فحينما رأى الإمام ارتعدت فرائصه، وقابله بمزيد من العناية والتكريم وقال لمن حوله: إن على زين العابدين سيماء الأنبياء